الشوكاني

104

فتح القدير

التي لا تخفى على عاقل ولا تلتبس إلا على مخذول . وقريب من هذا من يقتدى بآراء الرجال المخالفة لما في كتاب الله سبحانه ، ولما في سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ويؤثرها على ما فيهما ، فإنه قد استجاب للباطل الذي لم تقم عليه حجة ولا دل عليه برهان ، وترك الحجة والبرهان خلف ظهره كما يفعله كثير من المقتدين بالرجال المتنكبين طريق الحق بسوء اختيارهم ، اللهم غفرا ( ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي ) يقال صرخ فلان إذا استغاث يصرخ صراخا وصرخا ، واستصرخ بمعنى صرخ ، والمصرخ المغيث ، والمستصرخ المستغيث ، يقال استصرخنى فأصرخته والصريخ : صوت المستصرخ ، والصريخ أيضا : الصارخ وهو المغيث والمستغيث ، وهو من أسماء الأضداد كما في الصحاح . قال ابن الأعرابي : الصارخ المستغيث ، والمصرخ : المغيث . ومعنى الآية : ما أنا بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب ، وما أنتم بمغيثي مما أنا فيه ، وفيه إرشاد لهم إلى أن الشيطان في تلك الحالة مبتلى بما ابتلوا به من العذاب محتاج إلى من يغيثه ويخلصه مما هو فيه ، فكيف يطمعون في إغاثة من هو محتاج إلى من يغيثه ؟ ومما ورد مورد هذه الأقوال من قول العرب قول أمية بن أبي الصلت : فلا تجزعوا إني لكم غير مصرخ * وليس لكم عندي غناء ولا نفر و " مصرخي " بفتح الياء في قراءة الجمهور . وقرأ الأعمش وحمزة بكسر الياء على أصل التقاء الساكنين . قال الفراء : قراءة حمزة وهم منه ، وقل من سلم عن خطأ . وقال الزجاج : هي قراءة رديئة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف يعنى ما ذكرناه من أنه كسرها على الأصل في التقاء الساكنين . وقال قطرب : هذه لغة بنى يربوع يزيدون على ياء الإضافة ياء ، وأنشد الفراء فيما ورد على هذه القراءة قول الشاعر : قلت لها يا تاء هل لك في * قالت له ما أنت بالمرضى ( إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) لما كشف لهم القناع بأنه لا يغنى عنهم من عذاب الله شيئا ، ولا ينصرهم بنوع من أنواع النصر ، صرح لهم بأنه كافر بإشراكهم له مع الله في الربوبية من قبل هذا الوقت الذي قال لهم الشيطان فيه هذه المقالة ، وهو ما كان منهم في الدنيا من جعله شريكا ، ولقد قام لهم الشيطان في هذا اليوم مقاما يقصم ظهورهم ويقطع قلوبهم ، فأوضح لهم أولا أن مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من الله سبحانه وأنه أخلفهم ما وعدهم من تلك المواعيد ولم يف لهم بشئ منها ، ثم أوضح لهم ثانيا بأنهم قبلوا قوله بما لا يوجب القبول ، ولا ينفق على عقل عاقل لعدم الحجة التي لا بد للعاقل منها في قبول قول غيره ، ثم أوضح ثالثا بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان الخالية عن أيسر شئ مما يتمسك به العقلاء ، ثم نعى عليهم رابعا ما وقعوا فيه ، ودفع لومهم له وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم ، لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذي لا يلتبس بطلانه على من له أدنى عقل ، ثم أوضح لهم خامسا بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة ولا يستطيع لهم نفعا ولا يدفع عنهم ضرا ، بل هو مثلهم في الوقوع في البلية والعجز عن الخلوص عن هذه المحنة ، ثم صرح لهم سادسا بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له فتضاعفت عليهم الحسرات وتوالت عليهم المصائب وإذا كان جملة ( إن الظالمين لم عذاب أليم ) من تتمة كلامه كما ذهب إليه البعض فهو نوع سابع من كلامه الذي خاطبهم به ، فأثبت لهم الظلم ، ثم ذكر ما هو جزاؤهم عليه من العذاب الأليم ، لا على قول من قال : إنه ابتداء كلام من جهة الله سبحانه . وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن ما مصدرية في " ما أشركتمون " وقيل يجوز أن تكون موصولة على معنى إني كفرت بالذي أشركتمونيه وهو الله عز وجل ، ويكون هذا حكاية لكفره بالله عند أن أمره بالسجود لآدم ( وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار ) لما أخبر سبحانه بحال أهل النار أخبر بحال أهل الجنة . وقرأ الجمهور